ابن قيم الجوزية
578
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
فعلمنا الآن بالجنة والنار : علم يقين . فإذا أزلفت الجنة في الموقف للمتقين . وشاهدها الخلائق وبرّزت الجحيم للغاوين . وعاينها الخلائق . فذلك : عين اليقين . فإذا أدخل أهل الجنة الجنة ، وأهل النار النار : فذلك حينئذ حق اليقين . قوله : « هو المغني بالاستدلال عن الاستدلال » . يريد بالاستدلال : الإدراك والشهود . يعني صاحبه قد استغنى به عن طلب الدليل . فإنه إنما يطلب الدليل ليحصل له العلم بالمدلول . فإذا كان المدلول مشاهدا له - وقد أدركه بكشفه - فأي حاجة به إلى الاستدلال ؟ . وهذا معنى « الاستغناء عن الخبر بالعيان » . وأما قوله : « وخرق الشهود حجاب العلم » . فيريد به : أن المعارف التي تحصل لصاحب هذه الدرجة : هي من الشهود الخارق لحجاب العلم . فإن العلم حجاب عن الشهود . ففي هذه الدرجة يرتفع الحجاب . ويفضي إلى المعلوم ، بحيث يكافح بصيرته وقلبه مكافحة . قال « الدرجة الثالثة حق اليقين . وهو إسفار صبح الكشف . ثم الخلاص من كلفة اليقين . ثم الفناء في حق اليقين » . اعلم أن هذه الدرجة لا تنال في هذا العالم إلا للرسل صلوات اللّه وسلامه عليهم أجمعين . فإن نبينا صلى اللّه عليه وسلم رأى بعينه الجنة والنار ، وموسى عليه السلام سمع كلام اللّه منه إليه بلا واسطة . وكلمه تكليما . وتجلى للجبل وموسى ينظر ، فجعله دكّا هشيما . نعم يحصل لنا حق اليقين من مرتبة ، وهي ذوق ما أخبر به الرسول صلى اللّه عليه وسلم من حقائق الإيمان ، المتعلقة بالقلوب وأعمالها . فإن القلب إذا باشرها وذاقها صارت في حقه حق يقين . وأما في أمور الآخرة والمعاد ، ورؤية اللّه جهرة عيانا ، وسماع كلامه حقيقة بلا واسطة ، فحظ المؤمن منه في هذه الدار : الإيمان . وعلم اليقين . وحق اليقين : يتأخر إلى وقت اللقاء . ولكن لما كان السالك عنده ينتهي إلى الفناء . ويتحقق شهود الحقيقة . ويصل إلى عين الجمع ، قال : « حق اليقين : هو إسفار صبح الكشف » . يعني : تحققه وثبوته ، وغلبة نوره على ظلمة ليل الحجاب . فينتقل من طور العلم إلى الاستغراق في الشهود بالفناء عن الرسم بالكلية . وقوله : « ثم الخلاص من كلفة اليقين » . يعني : أن اليقين له حقوق يجب على صاحبه أن يؤديها . ويقوم بها ، ويتحمل كلفها ومشاقها . فإذا فني في التوحيد حصل له أمور أخرى رفيعة عالية جدا . يصير فيها محمولا ، بعد أن كان حاملا ، وطائرا بعد أن كان سائرا . فتزول عنه كلفة حمل تلك الحقوق . بل يبقى له كالنفس ، وكالماء للسمك . وهذا أمر التحاكم فيه إلى الذوق والإحساس « 1 » . فلا تسرع إلى إنكاره .
--> ( 1 ) بشرط أن يكون خاضعا كل الخضوع لهدى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وجاريا على هدى رسالته متحريا الاقتداء به وبأصحابه على علم وبصيرة ، فليس كل ذوق وإحساس . فما وقع من وقع في الهاوية إلا بتحكيم الذوق والإحساس .